Saturday, March 22, 2008

قطار شتوتجارت

الرسالة الثانية

اكتب اليكم الان من القطر المنطلق من مدينة اولم الى مدينة شتوجارت حيث سأنزل من هناك لكى اركب قطارا ثانيا الى مدينة فورتسبورج و منها الى مدينة شفاينفورت حيث ينتظرنى صديقى سالم و معه اخاه يوسف. فقد دعانى سالم الى قضاء معه عطلة عيد الفصح فى المانيا لمدة ثلاثة ايام.

اتذكر معكم الان ذلك الحديث الذى دار بينى و بين سالم فى مصر قبل السفر ، حيث لم يكن يتوقع ايا من كان ان اقابله فى مكان اقامته بالمانيا. كان دربا من دروب الخبل حتى تلك المحاولة التى حاولنا فاشلين ان نصل اليها بالسفر الى المانيا فى عطلة نصف العام بالترم الماضى. كان حلما بالفعل ان نتقابل معا منذ ان ذهب اول مرة الى المانيا عندما كنا فى المرحلة الثانوية. و سبحان الله ، من كان يتخيل ان اكون الان على ذلك القطر .. و هو فى انتظارى. من الناحية الاخرى ، ارسل الى محمد فاروق و محمد حنفى و اسامة تحياتى و اقول لهم كنت اتمنى وجودكم معى على ذلك القطر ..

اما الاساس الذى دعانى الى الكتابة هو القطر فى حد ذاته ، فتلك قصة اخرى.... لا يمكن ان اصف لكم ذلك المنظر من خارج ذلك الشباك الكبير. مساحات خضراء الى ابعد النظر و مجموعة من الجبال شاهقة الارتفاع تتخللها اشجار عالية تحيط بنا من كل جانب. يجلس بجانبى شخص على الارجح انه يدرس فى المرحلة الثانوية ، يحل بعض المسائل الهندسية تتعلق بحسابات السرعة و التسارع و ما الى ذلك. اما امامى فتجلس امرأة عجوز لم تجد شيئا تفعله فقررت ان تفيد نفسها بإستكمال تلك القطعة من النسيج التى تنسجها بطريقة يدوية فى تركيز حاد و استمتاع واضح. و فى الكرسى المقابل ، توجد عائلة على الارجح انها من فرنسا ايضا يشغلون وقتهم بالقراءة ... ثم بنت اوروبية الشكل تتحدث فى التليفون (على الارجح ايضا) الى صديقها الذى من المحتمل انها ستقالبه فى شتوتجارت ايضا .. و تستطيع عزيزى القارئ ان تميز ذلك بوضوح ليس مما تقول (و ان كنت فهمت بعض ما يقال بالالمانى) و لكن ايضا بتلك النبرة الصوتية.

لا اخفى عليكم استغراب الجميع من وجودى بالمكان ، فقد احسست بالفعل منذ ان وطئت قدماى تلك البلد اننى غريب بالفعل ، شكلا و موضوعا .. و ربما حروف عربية اكتبها تجعل من فى جانبى ينظر فى استغراب اكثر .. و ربما كان خائفا ...

السمة المميزة لهذا القطر هو الهدوء التام ، فالجميع هادئ تماما و الصوت المنخفض هو السمة الرئيسية لهؤلاء الناس. فهم لا يتحدثون الا عند الضرورة و بصوت منخفض للغاية الى الدرجة التى تجعلنى اضغط على لوحة المفاتيح امامكم الان بهدوء ايضا حتى لا ازعج تلك المرأه العجوز. ربما كان المنظر فى الخارج هو الباعث على ذلك الهدوء و راحة الاعصاب. فحتى العشوائية التى اشاهدها جميلة المنظر و ربما لم ارى مثل هذا الجمال من قبل الا فى الاسماعيلية و بحق.

اقارن و ذلك للاسف الشديد هو الشيئ الوحيد الذى لا يمكن الابتعاد عن التفكير فيه كلما شاهدت شيئا هنا ، و قد كنت دخلت فى مناقشة مع محمد حنفى و لا زلت اتذكر قولى له ان مواظبتى على الكتابة فى تلك المقارنة سيكون المخرج الرئيسى من الوقوع فى فخ رفض الواقع الذى اتيت منه و الهروب الى واقع اخر قد يكون سرابا.. و بالتالى فلا مانع من المداعبة الخفيفة فى ذلك الشأن.

اتذكر خبرتى مع المواصلات فى مصر عامة ، عندنا ركبت قطرا متجها الى الزقازيق من الاسماعيلية لكى اتعرف على خطيبة محمد حسن (المستقبلية فى ذلك الوقت) حيث كانت الدراسة فى الزقازيق. و مع العلم اننى اركب الان فى الدرجة الثانية فى ذلك القطار الالمانى ، فإن حال الدرجة الثانية فى مصر كان مختلفا تماما ... تكدس مجموعات من البشر اللامنطقية و اللانهائية فى القطار. فتخيلوا معى ، كانت طبعا كل المقاعد مليئة بالبشر ، ثم فى الوسط كل الاشخاص واقفين يسندون على بعضهم البعض بمؤخرتهم من شدة التكدس.

اما اوتوبيس 973 بشرطة الذى كنت استقله من العباسية فى فترة الدراسة بهندسة عين شمس ، فحكاية اخرى .. فكان علىّ ان اتحرك داخل الاوتوبيس منذ دخولى من الباب الخلفى لكى اصل الباب الامامى عند مستشفى هليوبولس ، و قد تقاعست مرة فى عدم دخول تلك المعركة الغير متكافئة (فى حينها) فلم استطع ان انزل فى محطتى .... اما اوتوبيس 92 ، فكان مكانى محجوز دائما على الموتور ... و ياله من احساس... و للعلم بالشيئ فقد كنت اجلس على الموتور ايضا فى المرحلة الابتدائية من شدة زحمة الاطفال طبعا...

اما فى مترو الانفاق ، فلم يكن الوضع بالافضل .. خصوصا فى محطة حلمية الزتون الى تقع تحت احد الكبارى ... و الناس يبيعون الفاكهة فى جو معبأ بالتلوث و الطينة التى لا اعلم ما سببها حيث لا تمطر كثيرا فى مصر ، و لكن على ما يبدو ان ذلك بسبب انفجار بالوعة مجارى...

اما المايكروباص فذلك قصة اخرى ...

عاشر عاشر عاشر ، تبه تبه تبه تامن و عاشر ... هوببا يا ابله .. معاك واحد .. معاك واحد .. معاك خمسة جنيه بالسبعة .. و النبى الباقى .. يا جماعة واحده واحده ... مش كده .. طب حاسبى الافة دى و النبى ... صباح الفل يا معلم ... قششششششطة .. هاع هاع هاع هاع ...

كلها اشياء اتذكرها الان و قد ذهبت المرأه العجوز من امامى و حل مكانه رجل محترم يقرأ ايضا ..

و الله ان عيناى تذرف دمعا من شدة ذلك الشعور بأننى اجلس فى قطر هادئ منظم .. و من بجانبى ينظر الى الشباك... فقد بدأت تمطر مرة اخرى ...

تحياتى لكم جميعا ..

الى اللقاء..


-حسين فهمى

قطار شتوتجارت ، المانيا الاتحادية

20 / 3 / 2008

Sunday, March 16, 2008

عجائب على الطريق


- ما الذى تفعله فى الشارع يا .............

هكذا "برطمت" تلك البنت (ام شعر اصفر) و هى راكبة العجلة غالبا على ما اعتقد لى ، لقد كنت اعبر الشارع ... مثلما نفعل دائما (عادى) فى مصر. و لكن القصة مختلفه هنا ، فقد عبرت الشارع على المنطقة المخططة للدراجات.
قال لى ماريو : على الارجح انها غاضبة ..


قلت له : فى مصر ، عبور الشارع مسئولية السائقين ..
قال لى: لا اتخيل نفسى عابرا للشارع عندكم ..
قلت له : لا انصحك بذلك على اية حال..


فى اولم ، بالالمانية الاتحادية (جامدة اوى اتحادية ديه) ، يتم تخطيط الشوارع بحيث هناك للسيارات مكان و للدراجات مكان ، و للاشخاص العادية مكان ، و للمعوقين مكان .. الاغرب ان هناك كثير من الشوارع المخططة التى لا يفصل بين حاراتها رصيف عظيم الارتفاع لكى يمنع كل من تسول له نفسه العبور على الرصيف (مثلما يفعل عزيزى هشام بسيارته الجيب فى مصر). و قد رأيت بعينى شاب (عادى) يمشى على الخط الفاصل بين حارة الاشخاص و حارة الدراجات ، كما لو انه يمشى على حافة الرصيف مثلما كنت استمتع بذلك فى شوارع القاهرة. كان شابا شقيا بالفعل ، هكذا كانت نظرات المحيطين به .. (بيرّوّش)


اما عبور الشارع فتلك قصة اخرى ، لاول مرة منذ ان ولدت اخذت احملق فى تلك الاشارة الحمراء التى تمنعنى ان اعبر الطريق و انا انسان حر افعل ما اريد وقتما شئت حيثما شئت كيفما شئت ! شيئ غريب بالفعل ان ترى هؤلاء و هم يقفون و الشارع فاضى فضاء الكون !! .. فاضى يا جدعان حد يعدّى طيب ..
و بمجرد ان تصبح الاشارة خضراء ، تقف السيارات لكى يعبر الناس .. مثلما تعلمت فى كتاب المواد الاجتماعية برابعة ابتدائى. اما الشوارع التى لا يوجد بها تلك الاشارة المقيدة للحريات على حد تعبيرى .. فيكون عبور الشارع فى اى وقت كافيا لكل السيارات لكى تقف ! .. عجيب فعلا


نعم ان تلك الاشارة مقيدة للحريات ، و لكنها تجلب النظام ، فلا يمكن ان تكون حرية انسان على حساب نظام المجتمع الذى يعيش فيه و على هذا الاساس يكون شعور الانسان بحاجته للنظام من اجل المجتمع الذى يعيش فيه كافيا لكى يلتزم بهذا النظام.
(كلمتين كده فى السريع ياعنى)


من الاشياء العجيبة التى رأيتها و انا اسير فى الشارع ايضا ، المحجبات. لم يكن من الطبيعى ان ارى كثير من المحجبات فى المانيا على اعتبار انه من المعروف ان الجالية التركية هناك و ان لم تنخرط كثيرا فى الثقافة الالمانية الا ان انها لم تحتفظ باصولها الاسلامية. الا اننى ذهلت لكم المحجبات فى الشارع ، طبعا ليس مثل شارع فى وسط البلد بالقاهرة ، و لكن بشكل نسبى ...

********


- على فكرة انا حاسس انّو الكوفية بتاعتى ديه فيها مشكلة ، هايئوللك فلسطينى و بتاع
قالها لى محمد قبل ان نخرج الى الشارع معا ، فمع وجوب الخروج بكوفية فى درجة حرارة تصل الى تحت الصفر , فإن شكل الكوفية مهم ايضا. و لان (الواحد مش عايز مشاكل) اشترت لى امّى كوفية برتقالية ارجوانية لا يوجد بها حتى مربعات مثل تلك الفلسطينية الشكل .. اما محمد فعلى الارجح انه كان يمتلك واحدة منذ فترة طويلة و كانت على شكل الكوفية الفلسطينية المشهورة.


و عندما خرجنا ، بدأنا النظر فى الكوفيات الموجوده .. و كان الحال من المحال ..
إن الكوفية الفلسطينية موضة ...
و كثير من الناس هنا يحرصون على ارتداءها ، كان شيئا غاية فى العجب .. حتى اذا لم تكن تلك الالمانية الشقراء (ام شعر احمر) تعلم اى شيئ عن قضية فلسطين ، الا ان ارتداءها لتلك الكوفية يبعث على الاعجاب (بالموقف طبعا) و ليس بالشعر الاحمر او بالوجه الــ او.. .. على اى حال .. اصبح محمد لابسا على احدث خيوط الموضة فى الكوفيات .. و اصبحت انا .. عجيبا بتلك الكوفية البرتقالية الارجوانية...


تذكرت تلك التى شيرتات لتشى جيفارا التى يرتديها الشباب فى مصر ... ثم تذكرت تلك الكوفية الفلسطينية .. و قلت هل يوما ستصبح موضة .. فكانت الاجابة نعم و لكن بعد ان تظهر بريتنى سبيرز (ام من غير شعر) بها ان شاء الله
.....

Wednesday, March 12, 2008

اولم الرسالة الاولى









الرسالة الاولى
عجيب فى بلاد العجائب
رحلة الوصول




عزيزى القارئ ،




لقد وصلت بالبارحة مدينة اولم الالمانية بعد سفر استغرق ثلاث ساعات و نصف من الليل ، كنت اجلس فى اخر مقعد من الطائرة على شباك فى ذيلها. لم يكن الامر بالسهل خصوصا و ان تلك المرة الاولى التى اجلس فيها تلك المسافة من الوقت فى طائرة. لن احدثك عن شعورى قبل دخول الطائرة لانه كان مبهما غير مفهوم ... لم اكن اتخيل او اتصور ما يمكن ان يحدث هناك. فبعد الكم المهول من المكالمات التليفونية التى انهالت علىّ تحذيرا و دعاءا و تشويقا فى احيان اخرى , انتابتنى حالة من الوجوم الشديد لم تكن لتهدأ الا بعد زيارة اصدقائى و افراد عائلتى لتوديعى و الذى وضعت لك صورة منها فى تلك الرسالة ايضا.



و لكن من الدقيقة الاولى التى مرت على ارض الطائرة ، احسست شعورا غريبا .. شعرت كيف ان ذلك العالم الذى نعيش فيه هو مجرد .. كرة ، كتلة دائرية الشكل بالفعل صغيرة للغاية (كانت الطائرة على ارتفاع 13 الف قدم ) فبدت الارض صغيرة فى نظرى ، و بدى لى ان كل من يعيشون عليها من البشر هم بالفعل ينتمون الى نفس النوع ببساطة .. بشر


و لن احدثك عن منظر مصر من الخارج ، غاية فى الروعة ، غاية فى الجمال ، حيث تظهر انوار مصر فى مدنها و طرقها و هى تربط بين المدينة و الاخرى ، تشعر و كأنها لؤلؤة على هذا الكوكب .. من برة هلا هلا و جوا يعلم الله طبعا .. و لكن شدّنى شيئا اخر .. ان الطرق بين محافظات مصر تضاء ليلا انما الطرق السريعة بين مدن المانيا (المتقدمة) لا تضاء بالليل ، و كم يمكن ذلك ان يوفر طاقة ..
اه يا الله ، لقد بدأت المقارنة بهذه السرعة .. نعم للاسف انها آفة الانسان مع اخيه الانسان .. ينظر اليه ، يقارن .. ثم .. اما ان يقتنع بما لديه او اما ان يرفض ما بداخله ..




دخلت الطائرة اجواء المانيا و يستمر شعورى بمنظر آية من الجمال يبعث الى تذكر عظمة الله فى خلقة ، حيث بدأ الشرق من بعيد تشرق فيه الشمس بينما انظر الى الغرب فأراه مظلما .. ذكرنى ذلك باشياء كثيرة ، ذكرنى بتاريخ هذا الشرق ... كم كنت اتمنى ان تبقى الشمس مشرقة هناك .. و لكن هذه سنة الحياة .. تشرق الشمس ثم تغرب لكى تشرق فى مكان آخر ..
وصلت الى مدينة ميونخ الضخمة ، و الى مطارها .. الساعة السادسة صباحا .. فى هدوء ..




هدوء لم احصل عليه منذ ان ولدت على ما اعتقد ، هدوء غريب للغاية لا اعرف كيف استطاع هؤلاء الناس الحصول عليه ... لم اكن اسمع شيئا بالفعل الا اصوات منخفضة للغاية .. حتى ان اذناى التى تسمع طنين الكهرباء عندما يفتح التليفزيون , لم اكن اسمع بها الى هدوء ..
وصلت مع اصدقائى من الجامعة ، و بدأ الشعور بمسئولية الفرد فى المجموعة ، نعم كلنا مصريين ، و علينا ان نساعد انفسنا ..




استقليت قطرا الى مدينة اولم من ميونخ ، و على الرغم من ان حقيبتى الرئيسية الرهيبة المساحة قد كسرت يديها و اصبحت احملها او اجرّها على الارض مع ثلاث حقائب ثقيلة للغاية اخرى ، الا اننى كنت سعيدا لا لاننى فى المانيا لو لكن لان الوضع يبدو عاديا .. انهم بشر مثلنا ... تنظر الى وجوههم فترى منهم الشقى و السعيد .. و الهادئ .. و الشرير ايضا ..




لم اشعر مطلقا باننى عجيب فى بلاد العجائب مثلما تتوقعون .. او مثلما انا كنت اتوقع ..
الى ان وصلت الى مكان اقامتى .. ثم نزلت لكى اتعرف على المدينة مع صديقنا الالمانى "ماريو" الذى بعثته جامعة اولم خصيصا لهذا الغرض ..




و هذا ما سوف اكتب لكم عليه فى الرسالة القادمة ان شاء الله ..
الى اللقاء يا اعزاء..

-حسين عادل
اولم ، المانيا الاتحادية 12/3/2008

عجيب فى بلاد العجائب


استيقظت من النوم ، فزعا .. اين انا ؟ .. و ما الذى اتى بى الى هذا المكان؟
ثم امعنت فى النظر قليلا ، نعم .. اننى فى مدينة اولم الالمانية ، و هذا هو مكان اقامتى لمدة ستة اشهر .. هل نسيت مشروع التخرج .. استيقظ يا حسين ، ان افراد البعثة يطرقون الباب لكى تستيقظ ..


تبدو عجيبا .. فى بلاد العجائب
.. قريبا طوال ستة اشهر ..

Tuesday, March 4, 2008

صور من الشارع تانى

الزمن / الثانية عشر ظهر.

لافتة كبيرة للغاية عند شقة صغيرة ، و مكتوب عليها بخط رسمى

مكتب توثيق و توكيلات

و بعض اللافتات مكتوب عليها ..

ممنوع .. ممنوع ... خطر .. قفش ..

.....................................

- ياختشى ، يا سعااااااااااااااد ... ياللى لازم تنطسى فى نظرك ..

- انا يا اختشى باردو ، انت اللى ربنا حاياخد نظرك ان شاء الله ...

- ياختشى دانتى عينك حاتفلق الحجر ، دى بتشوف خط النمنم من بعيد..

- و الله يا استاذ ، و حيات النبى بابص انا على الكلام الصغير من قريب كدتشه مابشوفوش..

لاكن لما ابص عليه من بعيد ... باشوف .. دا بعد نظر ..

- علشان كده .. انا عرفت ليه انت اتجوزتى محمد ...

- هى هيه هيييه ، بُعد نظر يا حبيبتشى ...

- 75 جنيه يا استاذ ان شاء الله ...الرسوم التقديرية للتوكيل

اخيرا نظرت الىّ ...

او بالاحرى نظرت الى طابور من البشر ، مع كل جملة من هذا الحديث الشيق يزداد طولا .. و ليس طولا فقط ، و لكن ... غضبا

دفعت المطلوب و كان المحامى بجانبى يضحك على الموقف ، لا لانه غريب ، و لكن لانه تعود على ذلك!

ثم اتجهت نحو (الاستاذة) فى المكتب المجاور لكى (تأشر) على توكيل عام رسمى قبل السفر الى المانيا خلال الاسبوع القادم .. و قالت للمحامى .. روح لنهلة و سعاد ...

ذهب المحامى الى نهلة او سعاد ، لا اتذكر لطول تأملى فى حال الموظفين فى تلك المصلحة الحكومية و اكثر فى المترددين على تلك المصلحة .. الكل فى حالة من الدوار .. فلكى تستطيع الانتهاء من الورق عليك (اللعنة) اقصد عليك ان تمر على اربعة مكاتب (لفتين) ، لفة تأشيرات ، و لفة اختام .. ثم تذهب لتسجيل التوكيل بتكنولوجيا الميكروفيلم العظيمة التى ذكرتنى بفيلم لمحمد صبحى اسمه العميل رقم 13 ..

و عند الموظفة المسئولة لكتابة صيغة التوكيل جار هذا الحديث ..

- لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا ، ماينفعش ، لا لا لا لا لا لا لا لا لا ، مستحيل

- ليه بس يا استاذة؟ .. دى الريّسة هى اللى قالت كده ، ينفع ...

- لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا ، مستحيل ، انا تعبت ، احنا اتنين بس ، كفاية يا ناس حرام مش كده ، لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا

- و الله الريّسة الاستاذة هى اللى قالت كده ، مش مشكلة هنا و لا هناك .. المهم الموضوع يخلص

- (صوت من اخر) و الله انا رجّاعونى هنا يا استاذة بعد ما وقفت فى الطابور ساعة و نص..

- لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا ، مانا عارفة ..

- (اضطررت الى الكلام) طب ازاى يا ناس .. انا عامل توكيل هنا قبل كده

- لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا ، طيب معلش المرادى مش مشكلة ، بس لازم تعرف انو ماينفعش ، انا ماشيتهالك بس علشان المعزة .. بس اصلا المفروض انو ...

- لا لا لا لا لا لا لا لا لا ، متشكر ..

اخيرا قامت الموظفة بكتابة الصيغة ، ثم قالت اذهب الى المكتب المجاور لكى تستكمل لك الكتابة ..

و عند المكتب المجاور جار هذا الحديث :

- المحامى : انا عايز صيغة بنوك

- الموظقة : حاضر .. هاظبتهولك .. (ابتسامة عريضة ) ... فاهمنى .. انا هاخلصلك الموضوع ده..

- شكرا و الله .. انت ست زوق ، انت ست ربنا يحميكى ..

- العفو يا بنى ، احنا بنعمل اللى علينا ، بس انا هاظبتهولك ياعنى عشان توبأه عارف ...

(صمت)

- انا باظبتهولك اهوه ، علشان ماتقولش انو فى حاجة ، الكتابة صعبة بس الموضوع انا ياعنى هاظبتهولك عشان انت راجل طيب ..

(صمت)

- شوفت بيتظبت ازاى ، و الله انت راجل زوق ... معاك البطاقة ..؟

- المحامى : اه .. اهيه ... (البطاقة تحتها عشرين جنيه) .. اتفضلى..

- شكرا يابنى ، خد اتفضل بأه اعمل الميكروفيلم و روح للاستاذة عشان تتأكد من الصيغة و تختم..

و عند المكتب المجاور للمكتب المجاور امام المكتب المجاور ..

- انت حسين ؟ (تنظر الى البطاقة) ..

- اه انا .. (ابتسامة عريضة)

- امضى هنا ..

- ...

- امضى هنا

- ...

- امضى هنا

- ...

- امضى هنا

- ...

- امضى هنا

- ...

- امضى هناك ..

- ...

- امضى عند صوباعى كده

- ...

- تمام .. روح بأه امضى امضة البنك عند المكتب اللى جمبنا ...

و عند المكتب اللى جمبنا ..

- انت حسين ؟

- اه .. (بدون ابتسام)

- امضى هنا ..

- ...

- امضى هنا توقيع البنك

- ...

- امضى هنا

- ...

- امضى هناك

- ...

- تمام متشكرة اوى

ثم ذهبت للاستاذة لكى تختم الاختام .. اجمل احساس يمكن ان اوصفه لك فى حياتى هو شعور تلك المرأه و هى تختم .. كما لو انها تأكل كيلو كباب مشوى مثلا ..

ختمت اربع او خمس اختام ..

ثم اعطتنى الورقة .. و انتهى الموضوع .. و استلمت التوكيل ..

الزمن / الثانية ظهرا بتوقيت القاهرة ...

الحالة / عايز ارّرررررررررروح بيتنا...

و كلها صور من الشارع

Sunday, March 2, 2008

محرقة اخرى


محرقة القرن الواحد و العشرين

اخيرا استطاع الاسرائليون – بعد نصف قرن من الاحتلال – ان يجدوا التعبير المناسب لما يفعلوه .. محرقة اخرى..
فى بعض لحظات ، لا يستطيع الانسان التحكم فى كلماته و افعاله لان فطرته هى ما تقوده الى ذلك. و اعتقد ان التفسير النفسى المنطقى الوحيد لما قيل عن محرقة ضد الفلسطينيين ان هؤلاء الذين "يحرقون" يوميا و بشكل منظم و ارهابى لم يعدوا يستطيعوا الا ان يصفوا ما يفعلون بحقيقيته ، نعم انها محرقة .. و لكنها ليست محرقة مثل تلك التى اؤمن ان اليهود تعرضوا لها وقت الدولة النازية ، انها فاقت المحرقة بمراحل عده .. الى الحد الذى جعل هؤلاء الاسرائليون انفسهم ان يطلقوا عليها اسم محرقة.


و انا ادعو كل الوسائل الاعلامية العربية ان تذيع افلام تسجيلية عن المحرقة التى ارتكبت ضد اليهود فى المانيا ، لكى يتعرف الناس اكثر على تلك الجرائم النازية البشعة تجاه شعب اعزل من نفس البلد ، لكى يتعرف كيف كان يقوم النازى بتعذيب اليهودى فقط لانه يهودى .. لقد كانت مأساه بالفعل .. انها فعلا محرقة ..
و لكى يتفهم العالم فى نفس هذه اللحظة ، ما الذى تفعله اسرائيل فى محرقة الفلسطينيين؟ ...


إن اطنان من المادة الاعلامية التى تظهر قسوة الاحتلال ، و القتل و التشريد و الظلم و الفقر والضرب و هتك الاعراض و الاغتيال و الارهاب لم تكن تكفى اطلاقا لتغيير الوضع على الارض ، و لا تعبير المحرقة ايضا سيستطيع تغير الواقع على الارض. لان للواقع مصالح تحكمه ، و المصالح اقوى و اكثر اشتعالا و تعقيدا من المحرقة ذاتها. و لكن ... لماذا الاهتمام اذن بتلك التطورات؟


ان ثمة غشاوة اعلامية استطاعت الالة الاعلامية الغربية التى تتحكم فيها مصالح ترتبط بهذا الوضع تعميقها فى نفوس المشاهدين لتصيبهم بالجمود. و تلك الغشاوة لم تكن لتمنع اذاعة صور و مادة اعلامية تظهر مدى حماقة الاحتلال ، و لكنها كانت تلعب على وضع اسرائيل فى المنطقة ، و كيف ان دفاعها عن نفسها هو المحرك الرئيسى لكل تلك الحماقات .... الى الحد الذى جعلنا نحن المظلومين فى القضية نتفرج ، و نحن نأكل او نشرب .. كما لو انه مسلسل عربى فى رمضان !


و لكن الان ، و قد سأم الاسرائليون انفسهم من قدرتهم على لعب دور "المغبون" ، فإن المهمة لن تكون صعبة عليهم بعد ان نجحوا فى كتم الافواه (العالمية جميعا) ، و هذا ما يفسر عدم استطاعة العالم التحرك الى الان بعد العملية الاخيرة التى قتل فيها ما يزيد عن 80 شخص فى مذبحة منظمة.


يعطينا الاسرائليون فى تلك اللحظات درسا فى المصارحة ، فقد تحركت مشاعرهم بالفعل تجاه ما يفعلون .. لقد هددوا بالمحرقة ذاتها .. و هذا يدل على مدى ذلك الاحساس المرهف لديهم ...


اما نحن ، فلازلنا جامدون .. مكتومون ... لا يتحرك ساكنا لدينا .. اللهم الا بعض المجهود الجبار لاستعادة الوضع السابق .. قبل 10 ايام مثلا ..
و سنبقى فى تلك الحلقة .. نريد ان نستعيد الوضع وراء الوضع .. متفرجين درجة اولى على ... محرقة
There was an error in this gadget