Monday, September 29, 2008

تعليقات على السريع تالت

· قالوا الفن مرآة ما يحدث فى المجتمع ، كذلك حريق المسرح القومى مرآه لما حدث فى مجلس الشورى!

· عندما شاهدت المناظرة بين اوباما و ماكين ، انتابنى حلم يقظة اننى استطيع الاختيار.

· التليفزيون اصبح كالراديو ... شيئ يضرب به المثل فى البلع فقط .

· كنّا نقول ان مسلسلات رمضان طويلة و تزيد على ايام الشهر الكريم ، الان لدينا عدد مسلسلات بعدد ايام الشهر الكريم.

· هى فين المظاهرات؟ .. خلاص شطبنا .. كلّو رايح يلحق مخبز العيش قبل ما يقفل ... ما قولنا بلاش من المظاهرات اللى بالشكل ده من الاول !!

· قالوا اننا بدأنا سبع سنين عجاف.. السؤال : متى انتهت السبع سنين السمان؟!

· الدويقة ، انهيار اجتماعى قبل ان يكون انهيار ارضى.

· مصلحة السجون تسمح للسجناء بطلب وجبات من مطاعم خارجية ، و وزير التعليم يمنع استخدام التليفون داخل المدارس لكى لا يؤدى ذلك الى تشويش على العملية التعليمية !!! .. بعد كده حيسجنوا الناس فى مدارس!

· سفن حربية تطوّق القراصنة الصوماليين الذين سيطروا على سفينة بها 33 دبابه ... الو؟ .. 2008 ؟!!

· 20 جنيه فول و طعمية؟ .. فى الشبراوى .. امال لو كان اسمو زمالكاوى كنت دفعت باليورو بأه!

· نقل حرفى من برنامج هنا القاهرة للناقد الرياضى الدكتور علاء صادق واصفا العلاقة بين اتحاد الكرة و النادى الاسماعيلى : (اقتباس)"فعلا ، ما اصدق تلك الفتيات الــ**** رغم انهن ***** ، قالت الفتيات الــ**** يوما ، للفتيات الاخريات المحترمات الاتى خرجن من الحمام التركى عندما انهار على رؤوس الفتيات المحترمات ، قلن اللى اختشوا ماتوا" ... (انتهى الاقتباس).. واضح انّو فى ناس فاهمة الرياضة حاجة تانية خالص؟! .. (الاقتباس به بعض الكلمات التى لا تتفق مع اخلاقيات الموقع)

Friday, September 26, 2008

ايام طبيعية ...

عندما يستوقفنى موقف لابد منه و لا يكون هناك مفرا الى هو .. و اكون مترددا بين فعله و عدم فعله .. اقوم بحركة فجائية سريعة فى هذا الاتجاه او ذاك مستعينا بالله و ثقة فى ان ذلك هو الحل الوحيد. و لكن ليست كل المواقف هكذا عبثا لابد من حركات فجائية للتعامل معها.. بل ان ذلك الاسلوب او "التكتيك" يكون فى الحالات التى تتطلب قرارا سريعا اما لفجائية الحدث ذاته ، و اما لكسل من التخطيط للحل فى المراحل الاولى لظهور المشكلة .. اسميه انخراطا .. و كانت اولى عمليات الانخراط .. النزول الى الشارع بأسرع وقت ممكن للتأقلم.

عندما وصلت الى مطعم الجحش لاكل الفول و الطعمية ، كان المشهد كما لو اننى اشاهدة و لا اعايشه .. شعور غريب فى وسط جو شعبى عشوائى غوغائى بشع .. من هؤلاء ؟!! .. لماذا يتصرفون هكذا؟ .. كان صديقى محمد فاروق يراقبنى جيدا من بعيد .. يتطلع الىّ كما لو اننى عائد من الفضاء .. فبالمقاييس العالمية ، المانيا .. تمثل الفضاء بالنسبة للعالم .. و ربما لو كانت امريكا او ايطاليا هى التى عشت بها ستة اشهر لكان الوضع مختلفا او اقل حدة .. و لكن اسئلوا الامريكان الذين اتوا الى المانيا .. "اتعقدوا فى عيشتهم". مشاعر عدة تضرب فى الخلاط ، مثل ذلك الليمون باللبن الذى وجدت امّى تقدمه لى بدلا من عصير الليمون الذيذ الذى كنت استمتع به قبل السفر. اريده عصير ليمون ، ما الذى اتى باللبن هنا الان؟! .. هكذا وجدت نفسى.. اعلم ان هذا هو الطبيعى و لكننى لا آلفه. اما ما يشعرك بالاطمئنان هو عدم النقمة و الغضب. تلك مشكلة كنت اهابها قبل العودة ، فقد سمعت الكثير من قبل عن قصص "القفش" على الواقع ثم الهروب او الركوض الى حافة الهاوية. اننى لا اشعر بالغضب .. و لا اشعر ان المانيا هى ملجئى الان الى ما قد الفته فى ستة اشهر من جملة 22 سنه قضيتها فى مصر الا اسبوع كنت قد قضيته فى تركيا للسياحة. و لكن هناك سؤال تزداد حدته فى مرحلة الالفة لا اكثر و لا اقل .. هو "لماذا؟" .. و إن كنت اتمنى ان انتهى من هذه المرحلة سريعا لكى اعود الى محاولة الاجابة مثلما كنت احاول من ذى قبل.

***

كنت راكبا لسيارة لادا مع احد الاقارب متوجها الى مصنع بالعاشر من رمضان عندما تجاذبنا اطراف الحديث بشكل تلخيصى عن كل ما حدث فى الفترة السابقة هنا .. تلوث هواء ، زحمة احياء ، قانون مرور جديد؟ ، دويقة ، مفاجآت .. على رأى قريبى "لقد دخلت مصر مرحلة المفاجآت" ... و لكن الموضوع لا يتعلق فقط بالمفاجآت .. اننى ارى امامى جليا عدم وضوج الرؤية على الافق ..لا اتحدث عن افق السماء و لكن عن افق الطموح. عفوا .. ليس معنى اننى عدت من المانيا انه ليس من حقى التحدث !! بل اننى اخذت اياما فى اول اسبوع من العودة اطمئن نفسى بأننى سأستطيع التحدث مرة اخرى فيما اراه واقعا .. قرأت ما كنت اكتبه قبل السفر، بدأت ان اكون اكثر جرأة من ذى قبل و لكن .. بشكل مختلف. عندما وصلنا الى منفذ بيع مصنع سيراميك ناجح ، بدأت الصورة فى الوضوح اكثر لى. دخلت و حازم قريبى (الذى يجهز لعش الزوجية) و معه اخاه الى المنفذ. اخذنا فى التجول .. طريقة العرض ليست كافية لمعرفة اى شيئ .. لا اسعار و لا احد يريد ان يساعدنا. ثم صاح خالد : حد بس يساعد هنا. اتى شخص تبدو عليه ملامح الاستغراب من وجودنا .. يعمل بالزمبلك .. لا يتحدث .. صامت .. غامض .. كنت اريد ان اسأله (معاك شاحن نوكيا؟) .. المهم .. المشكلة ليست فى هذا الروتين الممل ... المشكلة فى الكلام... نعيد الكلام على انفسنا و من حولنا مرات و مرات .. دخل حمى خالد الذى يعرف مدير المكان .. فذهبنا الى مدير المكان الذى نادى الرجل الغامض ، اصبح الرجل الغامض ... شعلة من النشاط .. ثم كلام بأه .. ادّينى فى اللّت و العجن ..

عادى عادى .. كل ده عادى ..

حازم : عايزين ناخد السيراميك معانا الشقة اللى بنجهزها النهارده.

الرجل : طب ماحنا لازم نعمل استعلام فى المصنع ... و الناس بتمشى الساعة واحدة .. كل سنه و انت طيب بأه يا بيه ..

حازم : طيب و الحل ايه؟

الرجل : تيجيلى بأه يا بيه يوم السبت الساعة 9 الصبح ، علشان نبعت العربية النقل للشقة ..

حازم : إن شاء الله .. ما هو احنا حانستخدم خدمة النقل اللى عندكم علشان نبعت الحجات ..

الرجل: تمام ، عين العقل ، توبأه مسئولية الشركة (ثم يقترب من حازم) انت عارف حضرتك واحد مرة جه و خد الحجات على مسئوليته فى عربية هو اللى كان جايبها من الدرب الاحمر ، العربية اتقلبت عند النافورة ، دخلت فى النافورة و كل اللى فيها اتكسر..

حازم : نعوذ بالله ، لا يا عم .. احنا عايزين الحجات توصل سليمة ..

الرجل : هو صح كده يا بيه ، انا باقول كده بردو .. المهم حضرتك خلاص عرفت حتاخد ايه ..

حازم : 5* 5 متر سيراميك من النوع الاخضر و 4 * 4 من النوع الازرق ..

الرجل : اه ... ياعنى 5 * 5 من النوع الاخضر ده و 4*4 من النوع الازرق ..

حازم : اه .. 5 * 5 من النوع الاخضر ده .. و 8 متر من النوع الازرق ..

الرجل : لا لا يا بيه 8 .. دى توبأه اوضة صغيرة اوى ..قصدك 4 * 4 ياعنى 16 يا بيه ..

حازم : اه معلهش .. 5 * 5 من النوع الاخضر ده .. و 16 من النوع الازرق ده ..

الرجل : اه يا بيه تمام كده .......... 5 * 5 .... (لم اسمع الباقى و لكن اترك لكم التوقع) ..

الى الجامعة .. لابد ان اذهب الى هناك سريعا لكى اقدّم رسالة التخرج التى كتبتها فى ستين صفحة تمثل جملة ما عملت فى ستة اشهر ، لا تمثل كل عشرة صفحات شهرا ، كما لم اكتب فى الشهر عشرة صفحات. لقد انتهيت منها فى اسبوعين و كان الضغط علىّ شديدا للغاية للانتهاء من التجارب العملية ثم التعليق عليها فى رسالة واضحة يتفهمها الذى يريد ان يكمل البحث. و اذا تذكرت الجامعة فإننى اتذكر جيدا ان الدرجة التى سأحصل عليها فى المانيا ليس بالضرورة ان تكون معبرة عن رأى الدكتور الالمانى. فالرجل احاطنى بوابل من التنكيل النفسى بسخريته من نظام البحث الذى اتيت منه و الذى (آل ايه) يلزمه بان يعطى الدرجات طبقا للقواعد المصرية. فالالمان لا يعرفون درجة (A+) اما نحن فقد تعودنا على الارقام الفلكية. انظر الى درجات مشاريع التخرج فى المانيا تجدها لا ترتقى الى المستوى الذى وصلنا اليه ، و لكن الدراسة ليست درجات كما ان التقدم التكنولوجى لم يعد يستند فقط على عنصر التعليم.

كان سالم صديقى له ظرف استثنائى صغير و هو انه المانى الجنسية .. و يعيش مع امّه فى الصيف .. و لهذا فإنه طلب منّى ان اسلّم له رسالة مشروع تخرجه هو الاخر. الا ان سياسة النظام التكنولوجى فى الجامعة الالمانية المنظمة بالتواريخ قد حددث يوم 14 من سبتمبر اخر معاد لتسليم الرسائل. اما انا فقد وصلت يوم 13 سبتمبر. لم استطع ان اذهب باليوم التالى فبعثت لعميد الكلية رسالة الكترونية كما كان الحال "بسهولة" و "بمهارة" فى المانيا. كلها رسائل الكترونية....

كان الرد .. "سلّم اللى عندك بس الاول" .. حلو اوى .. يا سلام .. شفتو النظام فى الجامعة سهل ازاى ..

كان علىّ ان اطبع الرسالة ، ذهبت الى اربع مكتبات فى الساعة التاسعة صباحا .. سؤالى ثابت : ممكن اطبع و اغلّف ؟ و الرد ..

- المكتبة الاولى : همّا كام ورقة .. معلهش 90 ورقة كتير اوى .. ماعندناش غير تغليف ..!

- المكتبة الثانية : لا والله مش هاينفع دلوقتى .. استنا بأه شويا كده علشان بنبيع اقلام و جلّاد للعيال اصلهم دخلين على مدارس ..

- المكتبة الثالثة : ..... 90؟ ... اصل .... طب ... ما تيجى بعد ساعتين؟!!!!!!

المكتبة الرابعة : ...... طباعة .... اه ... محمد؟ هوا فى طباعة عندنا؟!!

اضطررت الى الذهاب الى مقر عملنا و الطبع هناك ثم ذهبت فى سرعة البرق (مجازا لم اكن قد تأقلمت مع القيادة بعد) الى الجامعة. وصلت الى مكتب العميد لأجده يقول لى انه غير مسئول عن اى شيئ .. اذهب الى المكتبة و سلّم الرسالة هناك. ذهبت الى امين المكتبة ، قال لى انه يتذكر سالم لانه قابله فى شتوتجارت منذ شهر و انه (حبيب قلبه و يا سلام .. سالم .. سالم ده برنس)

- طب ممكن اسلّم الرسالة بأه؟

- لا و الله ... لازم امر من المنسق الاكاديمى (ايه يا جدعان الالقاب دى) للمادة بتاعتو .. طب و هو فين المنسق الاكاديمى..

- عند مكتب العميد.

الى مكتب العميد مرة اخرى .. طرقت الباب عند مكتب المنسقين الاكادميين ، الباب مفتوحا .. دخلت .. انفعلت احد العاملات فى المكتب .. و قالت لى : لا لا لا .. معلش تيجيلى على مواعيد العمل للطلبه..

ابتسمت ...

نظرت الى مواعيد العمل للطلبه وجدت اننى لم اتأخر .. انتظرت قليلا بالخارج .. فسمعت اصوات خارجه للعاملات مع بعضهن البعض .. لا يا حبيبتشى .. مش كل حاجة انا اللى هاعملها .. بأؤلوكو ايه .. احنا تيم .. و التيم لازم يشتغل مع بعضه ... و انا بالخارج .. مبتسم .. اتجهت الى مكتب العميد لاننى اعلم ان الحل هناك .. وجدت هناك المنسقة المعنية بسالم .. امرأه حديدية يحمل وجهها علامات من الجمال الزائف ، كما تحمل طريقتها فى التعامل مع الطلاب قصورا و عجزا و ضعف حسّى. حكيت لها القصة فكانت كالتى رأت خطيبها يناجى امراه اخرى .. كأننى اريد استفزازها مثلا .. فكان ردّها ..

- ماليش دعوة .. حانقصو 10% ..

(ابتسمت)

و العميد يريد تهدئتها .. "يا ستّى مش مشكلة يوم .. " ، العميد؟ متخذ القرار؟ و هى ابدا .. لا تريد .. بنظرات لم اكن قد تأقلمت عليها بعد عودتى .. فكانت انفعلاتى لا تتعدى حدود الابتسام ..

كان علىّ ايضا ان احمّل الرسالة على موقع الجامعة ، و موقع الجامعة البطئ واضع حدّا لحجم الملف المرفق... و سالم .. (الله يجازيه خير) ينقصه بعث "فكس" فى عصر الانترنت و البريد الالكترونى الى الجامعة لكى يبلغهم و يحلفلهم "ميت يمين" ان الرسالة التى سلمّها فى المانيا هى ذاتها التى سيسلمها فى مصر ...

اما رسالتى ، و بالاتفاق بين جامعة "اولم" فى المانيا و الجامعة الالمانية فقد طلبت الاولى من جامعتى عدم تسليم و نشر رسالتى فى مصر لحساسية المعلومات التى تمنحها الاتفاقيات بين المانيا و شركات تقنيات الاتصال التى كنت اعمل فى مجالها .. و بعيدا عن ذلك .. فإننى اريد ان اوضح بهذه المعلومة السابقة فقط اننى قد سلمت رسالتى بالبريد الالكترونى الى الدكتور المسئول عن رسالتى و من مصر على بعد 2000 كم منه .. و كان رده :

شكرا ، و تحياتى اليك ..

....

تحياتى اليكم ..

القاهرة 26 سبتمبر 2008

Tuesday, September 23, 2008

اخر يوم و اول يوم

استيقظت لاجد نفسى انظر من الشباك على غيوم و سحاب قد اعتدته طوال ستة اشهر من معيشتى فى المانيا. انه اخر يوم. صمت يخيم على الانحاء حولى و انا اتذكر لحظات لا تنسى فى هذا البيت الذى اعيش فيه ، لحظات مع اناس جمعتنا ظروف واحدة بل و ثقافة واحدة ايضا. انه صمت .. فقد رحل كل زملائى عائدين الى ارض الوطن , ارض الواقع , منذ اسبوع. و ها قد جاء يوم سفرى اليوم مع ثلاثة من الزملاء.

فى ذلك الصمت لم اكن اتخيل مطلقا اننى عائد ، فبعدة ستة اشهر يكون الانسان قد وصل الى درجة من التأقلم التى لا يمكن التخلص منها بصعوبة إذا تغير الحال. لقد كانت تلك المشكلة تواجهنى عندما اسافر داخل اوروبا ما بين المانيا و دول اخرى مثل النمسا و ايطاليا. حيث كنت اسأل سؤالا نردده مع زملائى .. اين المانيا؟ .. نريد العودة الان الى ذلك النظام و الهدوء و ... طبيعية الحياة. نعم ان الحياة فى المانيا ليست سهلة كما يعتقد البعض، و لكنها على الاقل دولة من العالم الاول و ليست مثل .. مصر .. دولة عجوز عفا عليها الزمن. بدأت فى تذكر اول يوم وصلت فيه الى المانيا و كيف بدت لى جميلة ، خضراء ، نقيا و منظما. اما الان و فى اخر يوم ، ارى المانيا دولة عادية ، ارى الاخضر شيئا طبيعيا ، ارى الهدوء حقا مكتسبا ، ارى النظام شيئا مهما و اساسيا فى حياتنا. و فى غمرة تلك الهلاويس تذكرت حديث سالم الزميل المهجن بين مصر و المانيا الذى بعث فى نفسى بسببه كابوسا ملخصه بأننى بمجرد الوصول الى مطار القاهرة سوف اصبح ناقما على البلاد .. متمنيا العودة مرة اخرى الى المانيا فى اقرب وقت ممكن و تحت اية ظرف. و على الرغم من رفضى امامه تلك الفكرة بشدة ، عن طريق ذكر مساوئ المانيا و صعوبة المعيشة هنا الا ان تلك الافكار كانت تؤرقنى. نعم ، إن هناك الكثيريين الذين كرهوا الوضع فى مصر ليس بسبب طبيعه لنا فى كره البلد ، و لكن لان الظروف فى مصر بالفعل صعبة. اما ما كان يزيد من ذلك القلق هى الفترة التى قضيتها خارج الوطن. فمصر على قدر ما لا تؤثر فيها الظروف او التغيرات بشكل جذرى الا انها قد تغير او هكذا خيّل لى(الحالة الاقتصادية على سبيل المثال).

تزايدت حدة التوتر مع اقترابى من مغادرة مكان اقامتى و مع غروب شمس اخر يوم... تحرك القطار الذى اقلنى الى المطار فى هدوء ، جلست بجانب الشباك انظر الى تلك البلاد التى لا اصدق اننى سأغادرها الان بعد ان تأقلمت على الحياة فيها. كنت الاشبه بالذى سيدخل مستشفى لإجراء عملية جراحية ، ضربات قلب تتزايد مع تذكرى لرفقاء الرحلة الذين قضيت معهم اياما سعيدة و اخرى مملة و لكنها سنة الايام و رُب يوما بكيت منه فلما فات بكيت عليه... (على رأى سالم نقلا عن ابوه)

مع اقتراب القطار من مطار ميونخ الدولى ، بدأت ارسم صورة من نسج خيالى لوصولى ارض الوطن .. صورة خيالية لاجمل الاكلات (الاكل عامل معم لكل مصرى بالخارج) و الاهرامات و النيل .. و الناس. اعلم جيدا ان الصورة ليست وردية فى مصر كما لم تكن كذلك فى المانيا و لكننى هنا .. فى ذلك القطار اشعر بالراحة!

كان الهدوء يزيد من حدة القلق ، بدأت اتذكر كل انسان اعلم انه سيأتى لمقابلتى فى المطار ، هل هو اشتياق؟ ام ربما تذكر لكيفية التعامل مع كل انسان كى لا يقول احدا اننى قد تغيرت مثلا .. ام انها مجرد علامات استفهام لا تعبر عن شعورا حقيقيا؟ إن اكثر ما اخشاه هو قول الناس اننى تغيرت و انا لست بقاصد التغيير. فإنا لا احب مطلقا ان تغير الظروف من نفسى ، بل احب ان اتغير من نفسى و بإدراكى و إرادتى لكى اتكيف مع الظروف.. اعلم انه شيئ صعب و لكن .....

تبتعد الطائرة الان من المانيا ، تبتعد من ستة اشهر كاملة حيث يقوم عقلى بتذكر كل لحظة فى ذلك الوقت لكى يستطيع حفظها .. اعلم اننى لم انتهى من الكتابة عن تجربتى و هذا ما يدفعنى لمحاولة تذكر لحظة بلحظة... و لكن هناك شيئا طارئا يحدث .. شيئ غريب يجعلنى استوقف نفسى عن تذكر ماحدث فى المانيا طوال تلك الشهور. كلما ابتعدت الطائرة من المانيا ، كلما شعرت باللهفة و الشوق و الفرح اننى عائد. لا اعلم لماذا ينتابنى هذا الشعور و لكنه يبدو كأنما اشبع رغبتى فى الحنين الى الوطن! تبدلت مشاعر و علامات الوجه القلقه بإبتسامة فرح .. اين كان ذلك الشعور؟ لقد خفت ذلك الشعور منذ الشهر الثانى لوصولى اوروبا .. و ها هو يعود الان يزداد بقوة .. اريد ان اصل حالا الى المطار .. الان!!

لقد دخلت الطائرة الاجواء المصرية .... لقد وصلت... هاهى مصر .. امامى بنورها الذى يضيئ العالم... ها هى المساجد تحتفل بزينتها بشهر رمضان الكريم ، فتجعل بنورها مصر كما لو انها تتراقص الوانا ابتهاجا بالشهر الكريم... ياااا الله على جمال تلك البلاد من فوق.. تبدو لى مثل امّى التى لم اشاهد على وجهها اثر تجاعيد مع ان عيد ميلادها الخمسون كان منذ يومين... مصر .. تبدو مثل إمرأة .. لماذا إمرأة؟ .. لانها جامحة العواطف ، مفرطة الحساسية ، جميلة مهما كانت الظروف ، احبها مهما كانت .. و ربما لان كيدها عظيم ايضا.. صاح عقلى قائلا : انظر فى الافق تجد سحابا اسود و طبقة من التلوث العحيبة .. لم يكن ذلك موجودا فى المانيا ... المانيا؟!!!! .. فلتخسأ كل البلدان !

المانيا؟!! .. المانيا التى تذكرنى بالانسان الآلى و البطاطس على حد قول امرأة اوكرانية كنت قد قابلتها فى القطر و تجاذبنا الحديث عن تلك البلاد. المانيا؟! التى تعمل مثل الماكينة لا روح فيها ، مسطرة و قلم رصاص .. تك تك تك .. واحد اثنان ثلاثة .. اما يمين او اما يسار ؟!! .. انها بلدى يا سادة .. اريد ان اصرخ بأعلى صوت و كل البشر و اقول لهم .. انها بلدى .. مصر .. ها هى بلدى ايها الناقمون ، قادرة على الحياة .. ها هى بلدى بشعبها ، انها القطعة التى كتب الله لها الخلود على الارض .. بدأت الدموع تنهمر و انا لا اعلم لماذا .. هل لاننى اشتاق لامّى و اهلى .. انه قطعا ليس لاننى قد تركت المانيا .. اين كان ذلك الشعور من قبل ؟! و كيف لم اكن اشتاق الى اهلى و اصدقائى بهذا الشكل منذ يومين مثلا؟!! .. اشعر بالذنب فتنهمر المزيد من الدموع....

و ...

حطّت الطائرة فى مطار القاهرة ، فى وصت الرمال .. خرجت لاتنفس هواءا مصريا .. لا اعلم اذا كان ملوثا ام لا .. لا يعنينى من اين اتى .. فأنا اعيش مثل غيرى من البشر .. و طموحى ان احقق شيئا لهذه البلد مهما كانت الظروف ... و سوف استمر فى المعيشة و الحياة لهذا الهدف الى ان يشاء الله !

لحظات غاية فى الدرامية و انا اخرج من المطار لكى يستقبلنى اهلى و اصدقائى .. ها هم .. جميعا .. صاحوا جميعا ..

الحمد لله على السلامة .. و بدأ عناق العودة .. ثم صاح احدهم.. ها .. عملت ايه بأه فى المانيا؟ .. فكرت للحظة باحثا عن الاجابة .. فلم اجدها .. لقد نسيت ...

نسيت كل شيئ .. نسيت ستة اشهر كاملة من حياتى ، فقدتها هكذا .. لم اجد الا و نفسى تسأل سؤالا .. اين كنت بالبارحة .. فأرد على نفسى بالقول.. البارحة كنت بالقاهرة ..

و لكن .. ما كل هذه الزحمة .. و ما هذا التلوث .. و ما هذا اللانظام ؟ .. قف ..

ما هذه الشوارع و لماذا يبدوا الناس هكذا؟ ...

قف .. قف .. قف...

اهلا بك فى القاهرة .. و ابتسمت! و لكن تلك المرة فى غرفتى الحقيقية ، على سريرى الحقيقى .. لقد اصبحت الستة اشهر خيال .. ... نصف خيال!

رأس سدر ، البحر الاحمر ، مصر

21/9/2008

There was an error in this gadget