Thursday, December 4, 2008

حوارات ابى

قال : فهمت الى ذكرناه النهارده ..

قلت : اه ، كويس بس لازم احلّ بكره فى الامتحان زى ما قال المدرس فى الفصل مع كده ..

مط شفتيه .. و قال : ليه بأه ان شاء الله ..

قلت : علشان لو انا حلّيت زى ما حضرتك عايزنى احل مش حاخد الدرجة ، يا اما حايقول انى باستعلا ..

قال : يا حسين .. بس هى دى الطريقة الصح ، اللى بتعملوه فى الفصل ده مش فهم ، دى كابسولات .. عارف الكابسولا .. علشان تخش الامتحان و خلاص.. و بعد كده حاتنسا كل حاجة ..

قلت : لا مانا مش حانسا ان شاء الله .. عادى ياعنى يا بابا ..

قال : و الله هاتزعلنى منك كده .. انت ياعنى بتفكر فى ايه .. الامتحان بكره و خلاص ..

قلت : لأ مش و خلاص .. بس الامتحان بكره مهم ..

قال : يابنى ماتخليش سقف لاحلامك .. لو احلامك سقفها واطى عمرك ما حتوصل .. لاكن لو احلامك ملهاش حدود .. حاتعرف تحقق و انت باصص لفوق ..

قلت : بس لازم يوبأه عندى سقف بردو .. لو فضلت باصص لفوق و خلاص مش حاحقق حاجة ..

صمت قليلا .. ظل شاردا ثم ابتسم قائلا : امال ايه؟

قلت : لو انا عندى هدف باحققه يوبأه لازم احطلو سقف ..علشان اعرف احققه

قال : و بعدين قصدك تحقق هدف بعد هدف ..

قلت : بالظبط .. ياعنى ممكن اريّحك ... ماخليش سقف لاحلامى ، بس احط سقف لاهدافى .. احقق هدف ورا هدف .. و من غير ماحط سقف لاحلامى ..

قال : خلاص (ابتسم) يا لمض ... ماتخليش سقف لاحلامك و اعمل اللى انتا عاوزو .. و كفاية مذاكرة كده .. خلاص ..

قلت : لا لا لسّا فاضل حجات ..

قال : مافيش مذاكرة تانى .. زى ما فى جهد عضلى فى جهد ذهنى ، و انت لازم تنام كويس قبل الامتحان .. يلا تعالى نتفرج على التليفزيون شويا ..

قلت :اخيييييرا ..

قال : يلا مانتا كل يوم بتتفرج على التليفزيون ...

قلت : طب ممكن اركّب الكومبيوتر الجديد .. و الله ماهافتحو .. اركّبوا بس ..

قال : ابدا .. الامتحانات تخلص .. و بعدين اعمل اللى انتا عاوزو .. و الخميس بس اللى فيه كومبيوتر.. احنا واحنا صغايراين كنّا بنلعب شطرنج ، دومينو .. نكتب نقرا .. فى ميت الف حاجة ممكن تعملها ..

قلت : بأه الدكتور عادل اللى بينادى بالكومبيوتر فى كل بيت و بيطلع فى التليفزيون و الجرايد ابنه مش عارف يشغّل الكومبيوتر ..

قال : مانتا لو بتعمل حاجة عليه غير اللعب حاخليك تشتغل عليه .. عملنا المناهج على سى دى و جبتهالك تذاكر عليها .. عمّال تلعبلى فيفا بتعتك ديه ..

قلت : خلاص حذاكر على السى دى ..

قال : و لا تحب تتفرج على التليفزيون مافيش داعى للمذاكرة دلوقتى بأه ..

قلت : خلاص .. تليفزيون .. فى ايه النهارده ..

قال : البرنامج بتاع الام بى سى ده .. حايبدأ الساعة عشرة ..

مازلت اتذكرك يا ايى

تمر الذكرى السادسة بعد عدة ايام على وفاة والدى. عام بعد عام يتضح لى الكثير من احاديثنا و كلماتنا التى كنا نتحدث بها فى الاوقات القليلة التى منحتها طبيعة عمله. إن عادل فهمى لم يكن مجرد اب لى فقد كان يحرص على مناداتى له بإسمه حتى وصلت المرحلة الاعدادية حين همست لى امّى فى اذنى تقول : الم يحن الوقت ان تقول لوالدك "حضرتك"؟

كان البيت الكبير الذى نعيش فيه واسعا على عائلة مكونة من ثلاث. ابى "قائد السفينة" كما كان يحب ان يلقب نفسه ، و أمّى "المربية الفاضلة" و الابن "حسين". كنت ارى ابى فى اليوم عدة ساعات قليلة جدا ، كنّا نجتمع فى هدوء لكى نستمتع بحواراته عن قصص سفره و تجاربه التى عاشها. لقد كان ابى رجلا كبير بالنسبة لآباء من هم فى عمرى. فأبى من مواليد الاسكندرية عام 1941 فى منطقة الابراهيمية "على البحر" كما كان يحرص دائما على قولها .. "على البحر" .

كنت صغيرا انزل فى الساعة الثانية عشر ليلا لكى اشترى من امام عمارتنا القديمة التى تطل على النيل ثلاثة جرائد نقرأها يوميا مع بعضنا .. الاهرام و الجمهورية و الوفد. ثم يمتد بنا الحديث عمّا قد ذاكرناه اليوم .. فتارة يسترسل معى فى دروس التاريخ ، و تارة اخرى نتحدث عن ذلك الفضاء او الكون الذى نعيش فيه. نخرج لكى نجلس فى تلك البلكونة الضيقة التى لا تسع الا اثنين ، كنت ارى منها غروب الشمس يوميا. نجلس متأملين فى صمت على انغام ذلك التليفزيون الملون الصغير. كنت اصمم دائما ان انتظر الى ان يأتى النشيد فى نهاية الارسال .. اسمع نغماته ، اردده .. ثم انام.

اذكر لهذا الرجل اشياء لا يمكن ان انساها ، منها عدم دخوله غرفتى مطلقا. كنت اكثر و اكثر من محاولاتى بلا جدوى لكى يدخل غرفتى. كان يقف على باب الغرفة .. متأملا فيما افعله .. ثم يترك الغرفة و يرحل .. حتى اننى كنت اذاكر معه فى الصالة الرئيسية بذلك البيت. سألته فى مرة لماذا لا تريد الدخول الى الغرفة قال: انها مملكتك .. غرفتك .. حاجة بتاعتك .. اتدخل فيها ليه؟

احاول ان اسرد بضعا من تلك الحوارات فى الايام القليلة .. فتذكر ما قبل ستة اعوام اصبح مع الزمن شيئا غير سهلا .. خصوصا مع دخولى مرحلة من اتخاذ القرارات الصعبة التى تفقد فيها الذكريات البعيدة قوتها فى بعض الاحيان .. اما و انها ذكرى ابى ، فإننى سأفتح هذا الملف مجددا .. موقنا بأن الله سبحانه و تعالى سيساعدنى فى اتخاذ تلك القرارات فى تلك المرحلة .. تلك القرارات التى وعدنى ابى منذ ستة اعوام انه سيكون عونا لى فيها .. و لكن الله لم يشاء ذلك لحكمة منه .. حكمة منه تجعلنا ننظر الى انفسنا و لو للحظة و نتأمل .. ما نحن؟

------

فى اولى ثانوى ..

قال لى : هاتروح فين؟

قلت له : مع فاروق و سالم و يمكن اسامة لنادى الشمس..

نظر بعينيه الثاقبتين .. ثم قطب وجه و قال : ما تتأخرش عن اتناشر .. امّك مابتستحملش و لا انا ..

قلت له : إن شاء الله ...

.. و بالطبع .. تأخرت .. بسبب مطعم البيتزا المتأخر .. كانت الساعة الثانية عشر .. بدأت فى الجرى و الجرى و الجرى .. بعيدا عن اصدقائى .. بدون توقف .. بدون تفكير للحظة فى شيئ غير اننى سألاقى عقابا لا اعلمه .. ثم وصلت فى المعاد ..

دخلت البيت .. على صيحات امّى التى تحمل تلك الامومة التى نعهدها جميعا .. لم تكن المشكلة فى الام .. لانها بطبيعتها عاطفية .. و لكن ما الذى سيحدث امام ابى .. الرجل الذى لا يصرخ و لا يصيح .. هادئ بطباعه .. و لكن عصبيا فى داخله ..

نظر الى ثم قال : انت بتنهج ليه؟

قلت : من الجرى ..

نظر الى طبق البطاطس المحمرة ، اكل منها واحدة ثم قال : اعّد يابنى ..

جلست فى قلق جديد ..

قال : اوعى تجرى و تنهج و تعمل الحركات دى تانى ..

قلت : امّال اعمل ايه ؟ مانا كنت متأخر ..

قال : انت عارف .. انا مرة كنت مسافر نابولى بالباخرة .. و بعدين الباخرة اتأخرت يومين و ماعرفتش اقوللهم على مواعيد التأخير الجديدة .. التلغراف ماوصلش .. سافرت و انا عارف انهم اكيد استنونى و مالقونيش .. كنت نازل من الباخرة فى اسكندرية باجرى على اول مواصلة علشان اوصل البيت .. قلت اكيد بيدوروا عليّا فى المستشفى ، و فى اقسام البوليس .. كانوا بيخافوا عليا اوى اوى .. و اول ماوصلت .. باخبط على الباب بسرعة و انا قلقان جدا .. امّى فتحت الباب و بصّت بهدوء شديد و بعدين لفّت .. و قالت : خش يا عادل .. دا عادل اللى جه بره .. من ساعتها .. عرفت ان ماحدش بقا بيقلق عليا ..

قلت : ايوه بس ...

قال : بطّل لماضده .. و قوم شوف امّك فى المطبخ بتقلى بطاطس تانى و لأه ...

There was an error in this gadget