Wednesday, January 18, 2012

ثورة البيض

 

فى المدرسة الابتدائية ، تعودت كل يوم الاستيقاظ على صوت أمى الذى يبدأ خافتا من المطبخ حتى يصل الى غرفتى فيعلو و يعلو .. أجد نفسى مستيقظا من شدة الصوت قبل أن تصل أمى الى السرير فتجد علامات النعاس على وجهى “المكشر المقريف علـصبح” فتربت بيدها على ثم تقول :

- ياللا حبيتشى ماما ، حبيب أمه يا ناس .. قوم يا سونة عشان تفطر و تنزل المدرسة.

أصحو فى هدوء تارة و تارة أخرى ابدأ بالسباب و اللعان .. و يضحك الجميع لأننى طفل صغير يلعب و يلهو .. و لأننى أعلم حقيقة أنهم يرونى طفلا .. فلا أجد حرج على نفسى فى السباب و اللعان و الاستمرار فيه.. حتى تنظر أمى بالعين البيضاء (أو الحمراء) فأعلم أن وقت السباب و اللعان قد إنتهى.

ثم كالعادة اغسل وجهى و اسنانى (أى كلام أى كلام) ثم اذهب الى مائدة الطعام، حيث أجد نفس ذلك الطبق الذى تعودت عليه كل يوم.

طبق بلاستيكى مزركش ببعض الاشكال الطفولية مثل عم دهب و بطوط مرسوم بشكل لا يمت لا لعم دهب و لا لبطوط بشيئ .. و بهذا الطبق ..

بيضتان مسلوقتان لونهما أبيض.

أمط شفتى فى حزن عميق و دفين. لا أريد أن آكل البيضتين. أعبر بكل توسل عن رغبتى فى عدم أكل البيض. فتقول لى أمى : معلش يا حبيبى لازم تاكل البيضتين عشان تكبر و تبقا كويس و تعرف تشتغل فى المدرسة.

أقول فى نفسى : يا ربى هو مافيش غير بيض اللى هيخلينى أركز؟ و لازم يكونوا مسلوقين .. ماينفعش يكون فى جبنة رومى طيب.. لانشون..

ثم أنظر الى أبى نظرات التوسل و الأسى : بابا ، مش عايز آكل بيض ..

فيرد الرجل الحكيم : حسين ، هو ده الفطار الموجود .. مافيش غيره و احنا مستعجلين..

ثم يعدل النظارة ..و ينظر بعيدا ..

تمسك أمى البيضة الأولى تضع عليها بعض الفلفل و الملح.. و تبدأ فى الاقتراب من فمّى .. لا أريد فتح فمى .. هذه البيضة رائحتها النافذة غاية فى البشاعة .. تبدأ أمى فى فتح فمى فأفتحه و ابدأ فى أكل البيض..

بيضة .. ثم بيضة أخرى ..

هكذا كل يوم .. أعلم أن هناك فطار آخر .. يأكلونه هم .. هى و أبى .. و عندما يأتينا ضيوف أطفالهم لا يأكلون البيض المسلوق فقط مثلى .. بل تقوم أمى بإعداد الفطار و الولائم .. البيض مع البسطرمه و الفول مع الفلفل.

و لكن لا استطيع الكلام .. هذا هو النظام.

كل يوم بيضتين فى الصباح.

أمى تقوم بإطعامى البيض تارة بالعنف و تارة استسلم لتلك البيضة .. أمى كان لديها اعتقاد راسخ بأن لا حياة الا بالبيضتين المسلوقتين فى الصباح ، و ان ذلك لمصلحتى ، و انها تمتلك كل الحق فى اطعامى ما تراه هى. فأنا طفل صغير .. لا يعلم أين مصلحته بالطبع.

بيضتين كل صباح. بيضتين باللين .. بيضتين بالشدة .. ستأكلهم هكذا. كل يوم.

هكذا 30 يوما ..

ثم حلمت يوما ، بأننى فى مكان كبير .. مطعم .. آكل كشرى فى الصباح .. كشرى كتير .. كشرى مصرى .. مممم.. ملئ بالفوائد .. و عندما ظهرت البيضتين فى الطبق .. كسرت الطبق .. و فقعت البيضتين بيدى.

و فى اليوم الثلاثين ، صحيت كالمعتاد.. جلست على الطاولة..

الطبق المزركش و بيضتان مسلوقتان ينظران الى ..

أمط شفتى مجددا.

ثم تقول امى : ياللا حبيتشى ماما ، كل البيضتين.

“كفاية بيض”. قلت

ساد الهدوء فى المكان .. ثم انفجرت أمى بالضحك و ابى .. هاهاهاهاها…

نظرت اليهم و قلت : “مش هاكل بيض النهاردة”

برقت أمى لى و أبى ظل صامتا .. و قالت : يعنى أيه؟ هتاكلها يعنى هتاكلها .. هو كده.

قلت لها : لأ مش عايز بيض… كفاية بيض مسلوق .. زهقت.

بدأت أمى بإستخدام العنف ، فتح الفم بالقوة و ادخال كميات من البيض المتفتفة .. ثم تقول : كده بوظت هدومك؟ هنضطر نشترى هدوم جديدة دلوقتى..

لم يجدى نفعا بل كسرت الطبق و رميته على الأرض صائحا : كفاية بيض !! كفااااااية.

صاح أبى : حسين !!! اسكت!! و اسمع الكلام!!

أخذت علقة ساخنة يومها .. و ذهبت المدرسة بدون افطار.

و فى اليوم التالى …

اقسمت على نفسى بأننى لن آكل ذلك البيض مرة أخرى .. لقد كسرت حاجز الخوف و لا يمكن فى اليوم التالى أن آكل البيض مرة أخرى.

جلست على الطاولة وجدت و قد اصبح البيض ملونا .. و الكثير من الفلفل الاسود الذى يذهب رائحة البيض.. و امى فى سعادة و ابتسام تقول : ياللا حبيتشى ماما .. لونتلك البيض أهو .. و حطينالك فلفل اسود كتير كمان .. ياللا يا حبيبى عشان تاكل البيض.

هل المشكلة فى لون البيضة؟ هل سيتغير شيئا إن وضعت عليها فلفل أسود؟ لا يزال بالداخل نفس البياض و نفس الصفار.

قشرت أمى القشرة الملونة .. فعادت البيضة كما هى .. و بدأت فى اطعامى هى .. فرفضت مرة أخرى .. و كسرت الطبق مرة أخرى و ضربتنى أمى مرة أخرى .. و لكن هذا الوقت استعانت بأبى ..

وجدت أبى مبتسما .. أبى الذى لم يضربنى ابدا .. يأتى و يقول : ليه يا حسين بس؟ مش عايز تاكل البيض ليه؟

“زهقت و خلاص كفاية بيض 30 يوم” ..

قال لى : خلاص كل النهاردة بس و بكرة هنشوف الموضوع ده..

قلت : لا .. مش عايز .. فى فول فى التلاجة.. انا عايز آكل فول.

قال : يا ماما .. اعمليلو فول .. اعمليلو فول النهاردة ..

امى : فول أيه بس يا عادل مش فى مصلحته ..

أبى : انت عايز تاكل أيه طيب؟

انا : انا عايز أكل ساندويتشات لانشون ..

أبى : مانتا بتاكلها فى العشا ..

انا : طب اش معنا الفطار بيضتين يعنى؟ ما كل حاجة بناكلها فى أى وقت.

امى : هو كده لازم بيضتين .. هو ده النظام .. عشان تفوق و تركز.

انا : مش واكل.

و فى اليوم التالى ، وجدت أبى هو الذى يقوم بإيقاظى .. ياللا يا حسين .. قوم يا حسين احنا صحاب و انت بقيت راجل دلوقتى .. الحقى يا ماما حسين بقى راجل أهو و بيقول عايز ياكل أيه و مش عايز ياكل أيه .. قوم يا حبيبى ..

جلست على مائدة الافطار .. وجدت بيضتان مسلوقتان ملونتان و معهما جهاز غريب جديد.

“أيه ده؟ أيه الجديد يعنى؟؟”

أبى : دى حاجة انا جايبهالك مخصوص و الله امبارح و انا راجع من الشغل و فى وسط المشاغل و كل المسئوليات اللى عليا .. فكرت فيك و جبتلك حاجة تحط فيها البيضة و تقفل عليها تلاقيها اتقطعت طرانشات .. و فى منها اشكال كمان … ايييييه رأيييياااااك؟

و كانت أمى صامتة تجلس على الكرسى وحدها تفكيرها فى شيئ واحد فقط .. كيف لى أن أغضب و أعصى لها طلبا بعدم أكل البيض؟

بدأ أبى فى أن يقوم باطعامى البيض المقطع .. و لكنه نفس البيض..

ملون .. أشكال .. بجهاز يتم تقطيعه ..

انا لا أريد بيضا جديدا .. و لا بيضا ملونا .. أريد أن أحدد ما أريد أن آكله .. لقد كبرت الآن و أعلم مصلحتى.. بل أريد أن أقترح حتى الجديد من الافطار .. ما المانع؟

و بعد بيضة .. تيقنت أن أبى و أمى .. جزء من نظام واحد.. كيف يمكن لأبى أن يكون مختلفا عن أمى و قد كان ينظر الى امى و هى تقوم بإطعامى البيض لمدة 30 يوم متواصلة قهرا و لم يحرك ساكنا.

انا : لا مش واكل..

صاحت أمى : اللى عايز تفطره قوم انت اعمله يا روح ماما..

قلت : طيب ماشى ..

أبى : و لا هتعرف تعمل حاجة .. ما احنا بنعملك الأكل أهو

انا : طب و انتو جربتو؟؟ ما انا ممكن اعمل الساندويتش لنفسى ..

امى : بطل لماضة و كل و انت ساكت .. عشان مصلحتك يبنى

“مش واكل .. “ و كسرت الطبق مرة أخرى ..

أخذت علقة يومها أشد و أشد..

استمر هذا الحال الى أن أنعقد اجتماع موسع بين أمى و أبى لمناقشة الظروف العصيبة الى يمر بها البيت. و قررا لأن مصلحة البيت تقتضى الا يهدم أو أن أتسبب فى المزيد من المطالبات مثل أن أعود كما يحلو لى ليلا مثلا .. أو أن أقوم بلعب الكمبيوتر الى الصباح الباكر .. قاموا بإقرار الآتى :

- عزل البيض المسلوق عن مائدة الافطار.

-البدأ فى اجراءات سريعة لتعليمى كيفية عمل الساندويتش وحدى

-البدأ فى مفاوضات على امكانية أكل البيض أوملت ، و قد وافقت على هذا الطرح بل تعاونت معهم فى برنامج طبيخ الأوملت..

-اتخاذ ما يلزم لتمكينى من فتح التلاجة و الحصول على الحلاوة بالفستق.

-رفع الحظر عن اللانشون و الشيبسى بطعم الكباب.

 

لم يتحدث منذ ذلك اليوم أبى و أمى ابدا عن البيض المسلوق .. استمرت تلك القرارات سارية ،  حتى أولى ثانوى .. كان أبى يأكل بيضا مسلوقا وحده فى الصباح .. قالت لى أمى (و على وجهها ابتسامة عريضة) : تحب تاكل بيض؟

قلت لها مازحا : بيض؟ همممم.. ماشى ..

أكلته يومها و وجدته لذيذا .. لأننى أخترته بإرادتى.

انتصرت ثورة البيض. لأننى التزمت بعدم السماح لأن اتهاون مع ذلك القهر الصباحى من جانب و لكن الأهم لأن أبى و أمى غلبوا مصلحتى و مصلحة البيت و المسئولية التى على عاتقهم و قرروا الامتثال لقرارى بعدم أكل البيض المسلوق..

و لكنهم كسبوا شيئا غاليا .. كسبوا حبى و احترامى و تقديرى .. و وافر الشكر لأن أكون جزء من هذا البيت العظيم.

 

ليست الطفولة غباء ، و ليست أيام الشباب مراهقة.

و كفاية بيض.

 

 

 

 

 

Tuesday, January 17, 2012

مش نازل يوم 25 يناير

 

بقالى اسبوع كده من ساعة ما السنة الجديدة دخلت و عمال افكر فى أى حاجة تخلينى أنزل يوم 25 يناير اللى جى عشان الثورة تستمر ..

أى حاجة بس تقنعنى بالنزول ..

همم.. الموضوع صعب أوى فعلا .. لدرجة أنى قررت أن أكتب ليه مش قادر أقتنع بالنزول لإستكمال الثورة و الضغط عشان مطالب الثورة تتحقق ..

طبعا مافيش حاجة تخلينى أنزل لأن :

- الحمد لله و الشكر لله كل الناس اللى ماتت خدت حقوقها ، اتعملهم تعويض يليق بمقامهم يعنى .. و الناس المصابة زى الفل زى اللى فقدوا عيونهم كلهم تمام التمام .. عرفوا يرجعوا بصرهم تانى و حياتهم ماشية عادى .. و عائلاتهم طبعا هينزلوا يحتفلوا بالثورة اللى رجعت لهم حقوقهم ..

- الكل اللى اتسبب فى مقتل مصريين أو قنصهم أو تعذيبهم بدون وجه حق الحمد لله و الشكر لله اتحكم عليهم باللى يليق بالثورة طبعا .. يعنى الواحد يمشى دلوقتى فى أمان يا أخى و يقدر يقول اللى هو عايزة و يعبر عن رأيه تمام يعنى ..

- مافيش ولا مظاهرة او اعتصام سلمى الا و التعامل معاه كان بشكل حكيم .. مافيش و لا طلقة رصاص اتضربت على الناس .. و لا خرطوش .. مافيش أى حد “لمس” بس مواطن بسوء .. كلنا أخوات و حبايب و الدنيا فل و قشطة و الله…

- المحاكمات لرموز النظام السابق شغالة الله ينور .. تمام أوى .. أحلى شغل .. و الرئيس مبارك اطال الله فى عمره و بقاءه بيتعامل زيه زى أى سجين .. و الفلول اللى المجلس العسكرى قال أنهم هما السبب فى الفوضى فى الأول بسم الله ما شاء الله بقانون العزل السياسى اتمنعوا من الفساد ..

- الانتخابات الحمد لله نزيهة تماما .. عشرة على عشرة .. و قوى الاغلبية اللى هتحكم العملية التشريعية فى برلمان الثوووورة بتقوم بعملها فى الحفاظ على مكتسبات الثورة و لا زالت تشارك المتظاهرين اللى بيطالبوا بتحقيق مطالب الثورة فى عدالة اجتماعية و دولة مدنية .. و كمان بتجرى ورا حقوق الناس اللى بتتخطف و اللى بيتسحل و اللى بيتعرى و اللى بيتضرب بالرصاص..

-البلد مافيهاش أى فساد على فكرة .. لدرجة أن فى ناس بتتحاكم بتهمة “إيهام” الناس بأن فى فساد .. فى عدل أكتر من كده .. أيه الجمال و الحلاوة دى .. يعنى حتى الإيهام بإستمرار الفساد يا راجل مالوش مكان ما بينا ..

- كل الشباب شاركوا فى الثورة اتكرموا أحلى تكريم .. اتعملهم أكبر سارى علم فى العالم .. فى مركز شباب .. ويعنى نشكر المجلس العسكرى و الحكومة على تفعيل دور الشباب فى قيادة دفة شئون البلاد الحقيقة .. يعنى عملتوا الواجب و زيادة و الشباب اللى عندهم كفاءة الحمد لله بيتم توفير لهم أفضل الامكانيات للمشاركة فى صنع القرار ..

- عندنا حكومة إنقاذ وطنى .. رئيس وزراءها بصراحة دم جديد .. لأ بجد مختلف عن النظام السابق .. تضم وزارء من كل التيارات السياسية .. و تعبر حقيقة عن الثورة .. حكومة الثورة فعلا .. و الرغيف كبير .. و الشوارع فااااااضية .. و البنزين موجود .. تعيش الحكومة .. زى ما بيقول عادل امام فى شاهد ماشفش حاجة ..

- عندنا عجلة انتاج هى صحيح واقفة فى ميدان التحرير عشان الوحشين قافلين الطريق .. بس غير كده .. يا خبر .. حريقة .. مصانع أيه و استثمارات أيه .. و شفافية أيه .. مافيش فساد و لا فى واسطة و لا فى رشاوى .. و السياحة شغالة زى الفل .. و مافيش تحريض ضد الاجانب طبعا لأن أهلا و سهلا بالسياحة ..

- عندنا وزارة تربية و تعليم .. بتعلم الطلاب عن الثورة و مطالبها و بتوضح الاسباب وراء استمرار الاحتجاجات و الاعتصامات و بتعلم الطلاب تاريخ النضال ضد النظام السابق .. و بتحكى قصة الثورة زى ما حصلت بالظبط من غير تشوية ..

- عندنا اعلام .. لا لا لا لا يا جماعة ده بقى حاجة تانية خاااااالص بقى .. بصراحة يعنى لازم نقول كلمة الحق امام الله .. الاعلام بقى بيتكلم بأسم الناس .. و بيدى فرصة التعبير لكل الاتجاهات و مش بيشوه صورة الثورة خالص و مش بيحرض طوائف ضد بعض .. و القيادات الاعلامية اتغيرت كلها .. و اصبح اعلامنا هو المصدر الرئيسى للمعلومة ..

- عندنا وزارة داخلية حصل فيها أكبر حركة ترقية قصدى نقل قيادات فى تاااااااريخ البلد .. يعنى هيكلة هيكلة .. و اختفت كل اشكال التعامل الأمنى مع أى مشكلة .. و الناس حاسة بالاستقرار الرهيب .. و مافيش بلطجية خالص ..

- عندنا دولة .. و قيادات و سلطة مؤمنة ايمان تام بأهداف الثورة .. و متأكده انها حاجة تانية خاااااالص غير النظام السابق الوحش .. الوحش أوى ..اللى و لا واحد من المسئولين كان جزء منه ..  لكن دلوقتى مصر يا جماعة حاجة تانية .. مصر الثورة ..

يا سلام .. كوووووووووووووووووووووول ده … و لسا عايز تنزل يوم 25 يناير .. يا راجل .. خليك قاعد فى البيت.

There was an error in this gadget